السيد كمال الحيدري
38
مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن
حُقبٍ سالفة سُبَّة تُلصق بالمنحرف فكريّاً ، فيقال عنه : هذا مُؤوِّل ! وما ذلك إلّا لغياب تلك المبادئ الأساسيّة والخطوط البيانيّة الخاصّة بالتأويل ، وقد حاول جُملة من الأعلام مُعالجة الموقف في العمليّة التفسيريّة فطرحوا موضوعة المناهج التفسيريّة ، وهي محُاولة ناجحة إلى حدٍّ ، ولكنها لم تحسم الموقف نهائيّاً ؛ لأنّ المبادئ الأولى والخطوط البيانيّة للعمليّة التفسيريّة هي غير المناهج التفسيريّة تماماً ، وأمّا في عالم التأويل فقد بقي مسرحه بلا قيود أو حدود ، حتّى أنّ بعض الجُهَّال ممن لا صلة له بالعلم إذا أعيته الحيلة في التفسير لجأ إلى التأويل بالمعنى المتداول لديهم ! في حين إنّ البعض الآخر بالغ كثيراً في التنصّل عن أصل التأويل فوقع في التعطيل ! وهكذا انتهى الأمر بين التجنّي والتعطيل ، ممّا سبّب خسارة علميّة كبيرة على امتداد قرون لازلنا ندفع ثمنها باهظاً بسبب نشوء مدارس تأويليّة أخذت مساحتها وأُفقها في الأوساط العلميّة ، بل إنّ البعض منها شكَّلت مرجعيّة ، وأُخرى أصبحت مُدوّناتها مصادر أساسيّة ترسم للآخرين حركتهم العلميّة في مجال التأويل . في ضوء ما تقدّم كلّه ، يتّضح لنا سبب الاهتمام الكبير من قبل العديد من رجال الدين والفكر بموضوع التأويل في القرآن ، ومنهم السيّد الحيدري ، فهو من المهتمّين بشدّة بهذا الموضوع ، يشهد له بذلك دراساته القرآنيّة المتعدّدة ، ففي هذه الدراسات وبالذات في كتابيه « منطق فهم القرآن » و « تأويل القرآن » تناول السيّد الحيدري موضوعة التأويل بالبحث المعمّق ومن مختلف الجهات ، وفيما يلي من النقاط عرض لما يراه في موضوعة التأويل ، مع الحرص الشديد على عرضه كاملًا وبدون أيّ حذف أو إضافة ؛ نظراً لأهمّية الموضوع على مستوى الدراسات القرآنيّة .